مع المحبرة الى المقبرة .. الخط العربي

. . ليست هناك تعليقات:

قيل أن الدواة من الدواء
بها يصلح أمر الكاتب كما يصلح الدواء البدن
والدواة يحفظ بها الحبر الذي يسمى أحيانا المداد لأنه يمد القلم والقلم يمد العقل
ويراها العرب مؤشر من مؤشرات المعرفة وكانوا يوما إن أرادوا إحصاء المتعلمين أوقياس المريدين لحلقات العلم أحصوا عدد المحابر الموجودة في المجلس أو الجامع.
لذلك نجد حرص شديد على إقتناء المحبرة حتى قال قائلنا يوما:
( مع المحبرة إلى المقبرة ) كدليل إلتزام على طلب العلم مصداقا لقول الرسول صلى الله عليه وسلم :
لايزال الرجل عالما ماطلب العلم فإن ظن أنه قد علم فقد جهل
ونبراسنا في ذلك قول الإمام الشافعي عليه رحمة الباري:
كلما أدبني دهري    أراني ضعف عقلي
كلماإزددت جهلا    زادني علما بجهلي
وعبارة رائعة تحفزنا في كتاب أدب الدنيا والدين للماوردي :
"إعلم أن للعلوم أوائل تؤدي إلى أواخرها ومداخل تفضي إلى حقائقها فليبدأ طالب العلم بأوائلها لينتهي إلى أواخرها وبمداخلها ليفضي إلى حقائقها ولايطلب الأخر قبل الأول ولاالحقيقة قبل المدخل فلايدرك الأخر ولايعرف الحقيقة لأن البناء على غيرأساس لايبنى والثمر من غير أساس لايجنى "
ولنا في نصيحة شعرية مثلا نشد عليها بالنواجذ:
يا من يريد إجادة التحرير      ويروم حسن الخط والتصوير
إِن كان عزمك في الكتابة صادقا  فارغب إلى مولاك في التيسير
أعدد من الأقلام كل مثقب     صلب يصوغ صياغة التحرير
ثم اجعل التمثيل دأبك صابرا   ما أدرك المأمول مثل صبور
فالأمر يصعب ثم يرجع هينا    ولرب سهل جاء بعد عسير
لا تخجلن من الردي نخطه      في أول التمثيل والتسطير
حتى إذا أدركت ما أملته    أضحيت رب مسرة وجبور
فارغب لكفك أن تخط بنانها    خيرا تخلفه بدار غرور
فجميع فعل المرء يلقاه غدا       عند التقاء كتابه المنشور
وقبل الكل يقينا في القلب إننا لم نؤتى من العلم إلا قليلا


وعند شيخ علم الإجتماع ومؤسسه الأول إبن خلدون في مقدمته أن الخط صناعة شريفة وراقية ومظهر من مظاهر العمران تنموا وتزدهر به ومعه تتقلص وتضمحل وهى دليل على رقي الدولة وعمرانها وإهتمامها بالنواحي الثقافية
وإن كنا نحن في بلدان المغرب العربي قد عرفنا الحرف العربي وقدسيته مع أول طلائع الهدى الفاتحة لمدن برقة وعرفنا بداية الخطين الشائعين أنذاك وهما : الحجازي والمكي اليابس إلا أننا بمضي الوقت أتضحت معالم إستقلالية بظهور مايعرف بالخط المغربي الذي اصبح متداولا الى سنوات ماضية بسيطة وأمتاز به سكان المغرب العربي الكبير حتى في مصاحفهم وكتابتهم العادية ولايفوتني أن أذكر أن هذا الخط إحتفظ بملامح الخط القادم من الشرق عن طريق الفتوحات الإسلامية.
وهو غير الخط الأندلسي الذي إبتدعه سكان الأندلس ..ولو أن إنتشار الخط الأندلسي كان على حساب الخط المغربي لأن الأندلس كانت قبلة في الحضارة والعلم والبنيان وأرتباط فن الخط العربي بالعمران أمر حتمي وهو مانراه ماثلا في أثار مدينة القيروان أيام إزدهارها حتى عصر الموحدين حتى نسب إلى القيروان الخط المغربي فأسماه البعض الخط القيرواني
وتأثر الخط المغربي بإنحسار العمران والتقدم على مستوى الدولة حتى صارت هنالك رداءة في الخط المغربي جعل من العسير جدا قراءة الكتب إلا بصعوبة ولن تجدخطوط جميلة بهذا الخط إلا لكتبة ماهرون وبأعداد قليلة
ويبدوا لي أن الرداءة جاءت من طرق تعلم الخط حيث من النادر أن تجد قواعد للخط العربي في ذلك الوقت لهذا النوع من الخط ويبدوا أن النساخ إعتمدوا على المحاكاة والتقليد بدل تعليم الخط بحروف موزونة ومدروسة .. وعلى العكس من هذا تجد قواعد الخط في المشرق والعراق منذ بدايات مبكرة ..
وتعلمنا لقواعد الخط أعطانا بفضل الله وبفضل من علمنا مرونة في اليد منقطعة النظير ماكانت لتكون هكذا لو أننا إعتمدنا على المحاكاة والتقليد وماكانت لتكون لنا إجتهادات ورؤية للحرف تكاد تصل إلى روحانيات لإجادة كتابة الحرف بشكله الصحيح وهذا مالمسته كفارق كبير جدا بين هواية الخط وبين تعلم قواعده وقوانينه ومن هنا علمت القولة الشهيرة:
"الخط مخفي في تعليم الأستاذ وقوامه على المشق ودوامه على دين الإسلام"
والتي كنا نمشقها دائما تقليدا لأساتذة عظام

من اللخاف وهى الحجارة الرقيقة البيضاء الى أكتاف الإبل الى الجلودالى المهارق وهى نوع من الصحف مصنوعة من الأقمشة الحريرية إلى الأقتاب التي تصنع من اخشاب الشجر الى البردى كانت رحلة طويلة لشئ يجدونه يكتبون عليه
ومن الخط الكوفي الى المدني الى الحجازي ومن العصر الاموي الى العباسي استقرت صنعة الخط من ابن مقلة الى ابن البواب وياقوت المستعصمي رحلة طويلة من ابداع للحرف العربي من جمود الى ترويس ومن هواية وحاجة الى علم واتقان ...
الى أن وصل الخط العربي الى قمته في العهد العثماني فكانت حقبة مهمة كان فيها الإهتمام والتقدير والقداسة والإحترام بشكل لم يكن له نظير فأجادوا فيه وأبدعوا خطوط لم تكن موجودة من قبل ..
ومن هذا الإهتمام والإبداع ظهرت المدرسة التركية في الخط العربي



كثيرون هم أساتذة الخط العربي الأتراك والذين لهم أثر طيب في إثراء هذا الفن الإسلامي الراقي بعد أن أخذوه من منبعه الأصلي وهو المعلم الأول إبن مقلة الذي كان له شرف أن يكون أباً لهذا الفن حتى قيل في المثل الشعري:
فصاحة سحبان وخط مقلة    وحكمة لقمان وعفة مريم
تولى الوزارتين وسجن مرتان ودفن مرتان واسمه :
علي محمد بن علي الحسين إبن مقلة عليه رحمة الله
ومن بعده انتقل الخط الى علي بن هلال المعروف بإبن البواب وقام بكتابة أربعة وستين مصحفا في حياته ..
وهو المدفون بجور الإمام أحمد بن حنبل عليهم رحمة الله
اما اساتذة الخط العربي الأتراك والذين أجادوا هذا الفن بهيئته التي نعرفها اليوم:
الحافظ عثمان بن علي وهو من المجودين .. حفظ القرءان الكريم في صغره بإستانبول حيث ولد فيها سنة 1052 هجرية .. بلغت مصاحفه 25 مصحفا بشكل قل نظيره .. توفي سنة 1110 هجرية عليه رحمة الله
ومن المبدعين الأوائل مصطفى راقم الذي تشهد لوحاته بموهبة فذة قل نظيرها وعلى يديه تعلم كثيرون من أساتذة الخط العربي..
أما خطاط الحرم المدني وكسوة الكعبة فهو عبدالله بك الزهدي وقد اختاره السلطان عبد الحميد للكتابة على جدران المسجد النبوي الشريف ثم ذهب الى مصر في عهد الخديوي أسماعيل وعينه مدرسا في المدرسة الخديوية ومن هناك أسندت له مهمة كتابة كسوة الكعبة المشرفة حيث كانت تصنع في مصر وترسل الى الحجاز..
وفي مصر كتب على سبيل أم عباس الأول بالصليبة وجدران مسجد الرفاعي
توفي سنة 1879 وهو دفين مقبرة الشافعي بالقاهرة عليه رحمة الله
أما الأستاذ فهو محمد شوقي وكانت له بصمة في الخط وهو رجل متواضع وترك الكثير من الأثار والأمشاق التي تشهد له بالابداع وداوم على الاجتهاد حتى صارت هناك مدرسة بإسمه في هذا الفن البديع
أما محمد سامي فهو روح الخط العربي تشهد له اغلب مساجد تركيا وميضأتها ومن ابرزها جامع الباب العالي توفي سنة 1912 رحمة الله عليه

اما السكينة والوقار والفن والدراية والعلم فهى للشيخ محمد عبدالعزيز الرفاعي المولود سنة 1871م .. جاء الى مصر سنة 1922م وكان في تركيا خطاط دائرة مشيخة الإسلام بدعوة من الملك فؤاد الأول والد الملك فاروق ليكتب المصحف فلما حانت عودته تم الغاءالمشيخة فبقى في مصر وأنشأ مدرسة الخطوط الملكية
قام بكتابة 12 مصحف والعديد من اللوحات الفنية النادرة ..
كان مثالا للاخلاق العالية والسيرة الحسنة ينشر حوله الخشوع والسكينة
توفي في تركيا 5 جمادي الاول 1353 – 16 اغسطس 1934 عليه رحمة الله
نفعنا الله بعلمهم وجزاهم الله عنا كل خير
وهذا قليل من كثير من اساتذة الخط العربي ومبدعوه اعترف لهم بالجميل وادعوا الله لهم بالمغفرة وبمقعد صدق عند مليك مقتدر.

ليست هناك تعليقات:

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

المشاركات الشائعة

الأرشيف